محمد أبو زهرة
1423
زهرة التفاسير
ولكن الظاهر هو الأول ، ليتحقق معنى قوله تعالى في بيان سننه إذ قال : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . هذه هي الفائدة الأولى التي تستفاد مما أصاب المسلمين يوم أحد ، وهذه الفائدة هي أن يروا سنة اللّه قائمة ، فلا نصر يدوم ، ولا هزيمة تدوم ؛ لأنه لو دام النصر لكان الغرور ، ومع الغرور الطغيان ، ووراء ذلك الترف ، وإذا أصاب الترف نفوس الشعوب ذهبت نخوتها وضؤلت قوتها كما توقع الصّدّيق خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للعرب عندما يتوالى انتصارهم : ( واللّه لتألمن من النوم على الصوف الأذربى ( أي صوف أذربيجان ) كما يتألم أحدكم من النوم على حسك السعدان ) « 1 » . والمداولة معناها تبادل النصر ، وقد كان ذلك في أول الإسلام مرة واحدة لكيلا يأخذ الترف السابقين من المؤمنين ، وفسر الزمخشري مداولة الأيام بتبادل النصر وقال : ( المراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة . نداولها : نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ) ، وأصل كلمة نداول من الدولة ، وهو مصدر لدال يدول بمعنى انتقل من حال إلى حال ، أو من يد إلى يد ، ومن ذلك قوله تعالى : كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ . . . ( 7 ) [ الحشر ] ، أي يتداولون المال فيما بينهم ، ولا يصل إلى أيدي الفقراء منه شئ . والمعنى الجملي : فعلنا ذلك إجراء لسنة من سنن اللّه التي خلت من قبلكم وهي مقررة في قوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها ولذا عطف عليه قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ : هاتان فائدتان أخريان لما أصاب المسلمين يوم أحد ، فأولاهما - تحقق علم اللّه تعالى وإظهاره المؤمنين الثابتين ، والذين ينافقون ، فمعنى علم اللّه تعالى هو تحقق ما قدره في الأزل ، فيعلمه الناس ، ويعلمه اللّه تعالى واقعا حاضرا ، ولقد
--> ( 1 ) حسك السعدان : نبات شوكي وهو من أفضل مرعى الإبل ، وفي المثل : مرعى ولا كالسّعدان . الصحاح . سعد .